فخر الدين الرازي
14
شرح الاشارات والتنبيهات
القضايا المشهورة الّتى بها يتمّ المشاركة الإنسانيّة ، ولأجل غلبة المعاند ، ولأجل التردّد في الأقيسة المشهورة وترجيح بعضها على البعض حتّى ربّما يتخلّص « 1 » منها إلى الحقّ . وأمّا الخطابيّة فللاقناع « 2 » في الأمور الجزئيّة . ومبادى البرهان هي الأوّليّات . ومبادى الجدل هي المشهورات والمسلّمات . ومبادى الخطابة « 3 » هي المظنونات . وإذا « 4 » عرفت ذلك فاعلم أنّ البرهان أشرف الأقيسة . ثمّ اختلفوا بعد ذلك « 5 » أنّ الجدل أشرف أم الخطابة ؟ فالشّيخ قدّم الخطابة على الجدل لأنّه « 6 » لا يفيد اليقين للخاصّة ، وهو صعب « 7 » بالقياس إلى فطن « 8 » العامّة ، فإنّ الجدل إذا ألزمهم « 9 » شيئا وأذعنوا للزومه ظنّوا به أنّ ذلك مغالطة أضلّتهم وليس يتأتّى لهم الجواب عنها « 10 » ، وأنّ ذلك لقوّة القائل لا لصواب القول ، و « 11 » يكون عندهم أنّه لوزادت « 12 » قوّتهم لقدروا على الجواب عن ذلك . وبالجملة فإنّهم لاستنقاصهم أنفسهم لا يعلمون أنّ الحقّ يوجب ذلك أو عجزهم ، فلا جرم لا يفيدهم ذلك القياس اعتقادا . فالصّناعتان المفيدتان للنّاس تصديقا هما البرهان والخطابة . أمّا البرهان فيفيد اليقين للخاصّة والخطابة تفيد الظنّ للعامّة . وأمّا الجدل ففايدته قليلة ومنفعته خاصّة ، فلا جرم كانت الخطابة متقدّمة « 13 » على الجدل . وعن هذا قيل في الكتاب الإلهىّ : « ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ » أي بالبرهان « 14 » ؛ « وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ » أي بالخطابة « 15 » ؛ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » « 16 » ، أخّر الجدل عنهما لما ذكرناه « 17 » . ولمّا تقرّر ذلك ، فالشّيخ قدّم في هذا الكتاب مبادى البرهان وهي العلميّات ، ثمّ عقّبها بمبادى الخطابة « 18 » ، ثمّ أخّر مبادى الجدل وهو الوضع والتّسليم لما ذكرناه « 19 » .
--> ( 1 ) - يتخلص : يخلص ج . ( 2 ) - فللاقناع : فلاقناع النفس م . ( 3 ) - الخطابه : الخطابية ج ، مج . ( 4 ) - وإذا : فإذا ج ، مج . ( 5 ) - ذلك : + في ج . ( 6 ) - لأنّه : لما أنّه مج . ( 7 ) - هو صعب : هي صعبة غير مفيدة م . : هي مفيدة مج . ( 8 ) - فطن : ظنّ مج . ( 9 ) - الجدل إذا ألزمهم : الجدلىّ إذا لزمهم ج . ( 10 ) - عنها : عنه ج . ( 11 ) - و : أو م . ( 12 ) - زادت : تأدت مج . ( 13 ) - متقدّمة : مقدمه مج . ( 14 ) - أي بالبرهان : - مج . ( 15 ) - بالخطابة : الخطابة م . ( 16 ) - الآية : النّحل / 125 ] . ( 17 ) - ذكرناه : ذكرنا مج . ( 18 ) - الخطابة : + وهي الظنيّات م . ( 19 ) - ذكرناه : ذكرنا م ، مج .